بوابة الاعضاء
“ لا أسمع ، لا أرى ، لا أتكلم ، أطبّل “ هل أصبحت مصدر رزق !
18 أغسطس 2019 | 1 تعليق | 428 مشاهدة
(لا يوجد تقييم حتى الآن)
Loading...

كان صوت مذياع السيارة عالياً بما يكفي لأن يدخل على خط حديثنا ( أنا مع ثلاثة من الأصدقاء ) بينما كنا في رحلة سفر .

بدأ المتحدث يسرد مقولات عن دور النقد في بناء المجتمعات ، و كان مما قاله نقلاً :

النقد أمر نستطيع تفاديه بسهولة بألا نقول شيئاً وألا نفعل شيئاً وأن نكون لا شيء.
أرسطو ( فيلسوف يوناني )

أنا أفُضّل النقد الحاد من شخص واحد ذكي على التأييد الأعمى للجماهير.
يوهانس كيبلر ( عالم رياضيات وفلكي وفيزيائي ألماني )

من لا يتقبّل النقد فهو لابد يُخفي شيئا.
( هلموت شميت )

معظم الناس يفضلون ان يقتلهم المدح عن ان ينقذهم النقد.
( نورمان فنسنت بيل )

يمارسُ ( صديقي الأول ) عادةً طرح الأسئلة ليتركها هكذا هائمة ، تبحث عن إجابات تحتويها ، لذلك لم أستغرب أن يُغلق صوت المذياع ويبدأ في طرح أسئلته ، فكان مما قال :

إلى أي حد نقترب فيه أو نبتعد في مؤسساتنا عن تلك القيم العالية ؟
ماهو الإطار الذي أصبح يحكم علاقاتنا مع حضرة المسؤول / المدير / الزميل ؟
هل أصبح النقد في حضرتهم جُرأة غير مُحببة / مثالية غير مرغوب بها / إثارة مصطنعة ؟
هل أصبح لزاماً علينا أن نتناغم مع قرع الطبول المصاحب لأي فعاليّة / حدث / قرار ؟
هل يمكن أن يتسبب مجردَ طرح مانؤمن به ، بكل هذا التعكير في المزاج العام ؟

يجيب ( صديقي الثاني ) وكان ممن يحب تفنيد الأشياء وسبر أغوار تفاصيلها فيقول :

الثقافة السائدة ، ربما تجعل من التناغم التام والقبول الكامل لكل مايُطرح خياراً ملائماً لدى البعض ، تحت ذريعة أن البقاء ضمن القطيع أكثر أماناً من مخاطرة أن تعطي عقلك فرصةَ أن يكون مرآة لك ، عِوضاً لأن يكون نسخة تقليدية للآخرين .

ويستطرد قائلاً :
ربما أصبح الكثير يختار تلك المنطقة الآمنة التي تتكيّف مع مبدأ ( لا أسمع ، لا أرى ، لا أتكلم ) ، فلا يطرح فكرةً ولا يمارس نقداً ولا يُقدّم نصحاً ، كل ذلك في سبيل الحصول على نقطة يعتبرها إمتيازاً وهي ( لا لي ولا علي ) ، فيُخفي إمتعاضه عن كل الممارسات السيئه تحت غطاء “ لست مضطراً لأن أخسر أحد “ .

وبينما يمكن تقبّل هؤلاء رغم تلك السلبية المحيطة بمبدأهم ، إلّا أنه يصعب إستساغة صنف آخر أضافوا نقطة للمبدأ الأول من باب كسب العيش كما يزعمون ، فأصبحوا يتبعون مبدأً أكثر تطرّفاً بإتجاه السلبية وأشدُّ إمتثالاً للإنقياد ، يتمثّل هذا الطور الجديد من التبعيّة في شعار :
( لا أسمع ، لا أرى ، لا أتكلم ، أطبّل ) فأصيبوا ومن حيث لايشعرون بما يمكن أن نُطلق عليه “ متلازمة الإعجاب “ ، فغدوا يُرسلون عبارات الثناء في كل إتجاه وناحية ، حتى في تلك المواضع التي لايستدعي كل هذا الفيض الكاذب من المشاعر ، والمحفز لديهم لممارسة هذا الشكل من الدجل قناعة محورها “ ربما يأتي يوم أستفيد فيه من بركات هذا المسؤول “ .

يجهل هؤلاء أن المدح المبالغ به هو إساءة بنمط عصري ومختلف ليس أكثر ، وأن هذا الإنصياع التام قد يخنق بداخلهم كل فكرة في مهدها ، وقد يتبلد لديهم مع الوقت الإحساس بأي دور يمكن أن يقوموا به بإتجاه التغيير الإيجابي ..

أمّا ( صديقي الثالث ) الذي كان ينظر لجزء ربما يراه ممتلئاً من الكوب فيقول :

لايمكن إغفال وجود أقلية مؤثرة تمارس دوراً إيجابياً ، فتنطق حينما يستدعي الأمر في وقت يختار فيه البقية الصمت ، وتُعبّر عن رأيها بشفافية وبإحترام في وقت يُعتبر فيه هذا التعبير عند البعض ، تجاوزاً للمسافة الواجب تقديسها مع الآخر .

إلتفت إليّ الأصدقاء ، ووجدت نفسي مضطراً عندها لأن أغادر تلك المنطقة الآمنة التي تضمن لي البقاء ضمن قطيع لايشمل أصدقائي الثلاثة بكل تأكيد ، فأصبح لزاماً علي هذه المرّة تحديداً أن أكون إنعكاساً لعقلي كما كانوا كذلك ، فقلت :

‫إن إحساس الشخص بالكمال المعرفي يجعل منه عقلاً ضامراً وغير متطّلع للجديد ، لإنه يعتقد تختيمه لسباق العِلم و الإدراك ! ‬

‫يجعل ذلك من فكرة الإستزادة بما لدى الآخرين فكرةً سخيفة ، ومن خيار تقبّل النقد كمصدر مجاني للتعلّم خياراً ساذجاً .‬

‫ربما يتطلب الأمر ثورة على مستوى القناعات الشخصية ، لبناء إطار مختلف يجعل من عقولنا منصةً لإلتقاط ماهو جديد وربما مخالف لما إعتدنا عليه ، ومن ثمّ معالجة هذا الجديد والمخالف وأخذ ماهو مفيد منه وترك ماهو غير ذلك. ‬

‫ولبناء بيئة خصبة للنقد والإرتقاء فيما نقدّم ، ربما نحتاج لنمط من التفكير المتحفّز للتعلّم ، ومبادىء أكثر إحتواءً للأراء ، وقِيّماً تنطلق من تقبل المختلف ، وأخلاقاً منصتها التواضع الجمّ ، ومحرّكها الإعتراف المستمر بالقصور المعرفي التي سيضل يعترينا من المهد إلى اللحد .‬

ربما يمكنك أن تبقى أسيراً للنوع الأول ( التابع ) فتظل على الدوام مجرد إرتداد لما يقول ويرغب به البقية ، لكن على الأقل لاتمارس مع النوع الثاني ( المستقل ) دور الوصي ، فتخبره كيف أن الصمت ( كقاعدة عامة ) يمكنه أن يجلب له السعادة على الدوام ، ولا تردد على مسامعه أن راحة البال مرتبطة بما يمكن أن يكسبه من إمتيازات نتيجة تأييده لكل مايقدّم / يُطرح وإن كان يتعارض مع مايعتقده أو يؤمن به .

القضية بإختصار :

هناك فارق بين أن تكون أولوياتك مرتبطة بمدى تصالحك مع نفسك ومبادئك ، وبين أن يصبح هاجسك مرتبط بمدى تصالحك مع الآخرين !

 

 

دمتم بسلام ..

 

About ياسر الشلاحي

ياسر الشلاحي ماجستير ادارة الخدمات الصحية والمستشفيات مدير الجودة في AGH مدرب معتمد في استراتيجيات الجودة من AIPS عضو مجلس ادارة جمعية الادارة الصحية





تعليق واحد في ““ لا أسمع ، لا أرى ، لا أتكلم ، أطبّل “ هل أصبحت مصدر رزق !”

  1. يقول خديجة مهدي:

    سلمت يداك

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لمجلة الجودة الصحية | تصميم وتطوير مؤسسة الابداع الرقمي