بوابة الاعضاء
وَدَّعوهم بلا دمـــــوع،الجزء الأول.
01 يونيو 2020 | 1 تعليق | 804 مشاهدة

نعم بلا دمـــــوع، لكلٍ منَا صباح مختلف وأنا صباحي مختلف جداً اليوم.

فهاتفي يرن بلا توقف. انها الخامسة صباحا من صباح يوم الجمعة، استغربت اتصالها في هذا الوقت المبكر جدا،

 إنها أم صديقتي الغالية (منى)،

– الو أهلا يا أم منى

– أرجوك يا ابنتي امنعيها من الذهاب للعمل! لا أريدها أن تذهب من اليوم إلى عملها.

– من هي؟

 – ابنتي منى!

 سألت متعجبة،

– ولماذا؟؟

– لأنها تتعامل معه!

– من هو ؟؟

– الفيروس كورونا!

– وماذا في ذلك أنها ممرضة مكافحة عدوى مؤهلة، أنها تمثل جيشنا الحالي ضد الكورونا.

– لا لا يا ابنتي !!  لا أريدها أن تلبس بدلة الفضائيين!

– بدلة الفضائيين. ؟؟ وماهي هذه البدلة.

اه البدلة البيضاء! البدل الواقية البيضاء المخصصة للممارسين الصحيين والتي تحميهم من انتقال العدوى وضحكت قائلة لها:

– تلك التي تلبسها منى عندما تتعامل مع المرضى وهي للحفاظ على حياتهم دون الخوف من انتقال العدوى لها، لا تقلقي انها لحمايتها،

–  لا أريدها أن تذهب، أرجوكِ كلميها.

– اتركيها فمنى صديقتي مؤهلة وهي الأقوى والأكفأ، اتركيها تذهب هو واجبها.

– لست موافقة على ذهابها لهذا المستشفى. فلتبقى في مركزها.

– أي مستشفى. ؟؟

– مستشفى العزل الجديد. ولا أريدها أن تتكلف في أي مكان.

 تذكرت ان مستشفى العزل الأولى بمكة في شرق عرفات قد تم افتتاحها وبدأت بالعمل فعليا الان وتم تكليف الموظفين للبدء بمهامهم في اقل من ثلاث أسابيع. قلت محاولة تهدئتها:

– لو لم تكون الأفضل من بينهم لما كلفوها بهذا التكليف. وحالة التوتر هذه لن تفيدك بشيء، ولا تنسي أن الوضع مؤقت بإذن الله

‏-أرجوك افعلي شيئا، وبدأت تبكي أم منى.

– صدقيني طالما أنها ذهبت بإرادتها فخير شيء تفعلينه لها الان هو الدعاء، ولا تبكي بل افخري بها،

لم ‏تقتنع أم منى بهذا الرد وقالت:

-أرجوك كلميها وأقنعيها فلديها التزامات عائلية وواجبات رعاية اطفالها.

– أنا شخصيا لست مقتنعة بأن تقفي في وجهها فهو واجبها وعملها وهي الاجدر ونحن الأكثر احتياجا لها الان.

 – أنها ابنتي، هي ذخيرتي لوقت عجزي وقلة حيلتي.

– انها هي ابنة الوطن البارة الان يا والدتي العزيزة، كوني فخورةً بدورها كفرد من عائلتك في رعاية مرضى كورونا COVID-19

 سرحت في مبادرة صديقتي الممرضة منى الدائمة وشجاعتها في كل ما مر بنا من مواقف فشخصيتها مميزة وكما عهدتها مازالت تبهرني بطولاتها منذ 18 عاماً.  منى تمتلك كل مقومات الممرضة المتزنة. فهي تحسن التصرف كقدوة حسنة وأخلاقياتها مع المريضات في مركزنا الصحي جعلتها الممرضة المفضلة عند الكثيرات من المراجعات الدائمات للمركز. فلديها المعرفة التامة بالحقوق والواجبات وتتميز بالاحترام وسرعة البديهة وتحسن التصرف في المواقف المفاجأة. كانت دائما تعمل والبشاشة تعلو محياها. تتصف بالمعرفة التامة بإجراءات العمل. فخرا لوزارة الصحة وجود منى بين كوادرها في مواجهة كورونا فهي خير عون وسند لهــذا الوطــن المعطــاء.

قاطعت افكاري أم منى قائلة:

– منى أولادها صغار ولم تفرح بهم!!

– ستفرح بهم إن شاء الله وبعد انحسار هذا الوباء سنفرح بهم جميعاً وسيفرح الوطن بمجهودها، عليك دور هام الان عزيزتي، ساعدي الأطفال على فهم ما يحدث داخل أسرتهم وحدثيهم عن دور أمهم العظيم. قد يصبح الأطفال الذين لا يفهمون ما يحدث من حولهم خائفين وقد يحتاجون إلى قدر أكبر من الاطمئنان على أمهم سواء كان ذلك بسبب ساعات العمل الطويلة أو احتياطات مكافحة العدوى التي تلزمها بالابتعاد الجسدي عنهم. فكوني لهم خير داعم، احضنيهم وألفي لهم الأغاني وانشري الفرح واخلقي الألعاب لتشغليهم،

          حاولت التحدث بالمنطق فوجدت ما بها من الحب لا يتناسب مع منطقيتي الان، فمن يحب لا يطيق ان يقع مكروها او اذى على محبوبه فكيف بمشاعر الأمومة، ؟؟ احسست وكأني اعادي وظيفة الأمومة الفطرية في أم منى.  تلك الوظيفة التي مهامها توفير الحب والحنان والعطف والود والرعاية والحماية والملاحظة، توقف سير افكاري بمقاطعة من أم منى:

– لديها مهام عائلية كثيرة، وابتعادها عننا في التكليف سيرهقها

– عندما تعود للمنزل ،، تأكدي من توفر وقت للراحة كافٍ لها واحرصي على ابتعادها عن مشاكل العائلة من أجل “إعادة الشحن” فمنى تحتاج لتقوية جسدية وروحيه ومعنوية. ساعديها على تحقيق التوازن بين العمل وحياتها الأسرية،، دعمك سيقويها كثيراً ويحصن مناعتها ضد الكورونا وسيزيد من انتاجيتها فمساعدة العائلات له دور عظيم في الشعور بالأمان لكوادرنا الطبية والإدارية حالياً.

 

    لا وقت للبكاء الان ساعديها على الإنجاز وجهزي لها غرفتها لترجع وتنام وتستريح، جهزي لها غذاء جيداً واحرصي ان تحصل على ساعات نوم كافية منتظمة ولا تنسي أن تناول الطعام الصحي بشكل جيد يوفر لها الكثير من الطاقة والقوة لتعود لكم بابتسامتها الحلوة كل يوم.

– أولادها الصغار معي وهم يفتقدونها.

– حافظي على اجراء اتصال هاتفي بمنى واشركيهم في المحادثة معك أو اجري مكالمة فيديو عبر الإنترنت ودعيهم يرونها كلما كان ذلك ممكنًا، ولكن افهمي أن الوقت قد يكون محدودًا لانشغالها اثناء دوامها بأرواح المرضى. وامنحي الأطفال إحساسًا بقيمة هدف أمهم السامي من خلال مناقشة ما يشغلها عنهم بكلمات بسيطة مفهومه.

 

     حاولت تهدئتها، نجحت تارة وفشلت تارة ، وغلبني الدمع من الحاحها تارة أخرى. فمنى غالية وكانت ومازالت صديقتي وسندي.

 تماسكت وقلت لها:

– ستوقظين الاطفال هكذا. !!

– يسألونني متى تعود ماما باستمرار. !!

 – ساعديهم بتوفير فرص للمساهمة داخل المنزل كالمساعدة في إعداد الطعام وتنظيف الأطباق وإتمام الأعمال العائلية الأخرى،

– أخاف على اطفالها من العدوى، !!

– تأكدي من تغطية الإجراءات الأساسية الموصى بها. حافظي على ممارسات النظافة المناسبة كغسل اليدين بانتظام، وتغطية الفم والانف عند السعال والعطس، وتجنب ملامسة الوجه، وتنظيف الأسطح التي تلمسها منى عادةً كمقابض الأبواب كما يمكنك اتخاذ احتياطات إضافية كمساعدتها على إزالة ملابس العمل عند الباب، والاستحمام قبل التعامل مع كامل أفراد الأسرة. وذكري جميع أفراد الأسرة بأن التنبه والاحتياط الان عامل حاسم وهام لتجنب الإصابة بـكورونا COVID-19

– سمعت أنه يتم فصل العاملين في مجال الرعاية الصحية عن أسرهم. في مساكن خاصة. صحيح..؟

– نعم عرضوا عليهم ذلك ولكن لمن يريد منهم. وقد تُعطى أسر العاملين في مجال الرعاية الصحية معلومات متضاربة أو غير واضحة ولكن تأكدي من المصادر الموثوقة للمعلومات، اتصلي بـ 937 وعلى مدار الساعة وهو الرقم المخصص بخدمات وزارة الصحة فيساعدك بالاستماع والاستجابة والتنفيذ والتوجيه لكل متطلبات المرضى واحتياجاتهم. كما توجد معلومات كافية على موقع مركز السيطرة على الأمراض (CDC) أو منظمة الصحة العالمية (WHO)، ولا تقلقي بشأن كونك مثاليةً جداً في أفعالك، وقومي فقط بعمل الإجراءات الوقائية الشخصية بأفضل ما يمكنك الان في ظل ظروفك ومواردك ومعلوماتك المتاحة.

سمعت نحيبها بصوت منخفض في السماعة.

قلت بصوت عال وحازم لعله يوقف سيل دمعها: -ودعيها بلا دمـــــوع.

– يمكن أن يكون لدمعك المتواصل هذا تأثير ضار وفاشل في دعمها الان. نعم تأثير ضار.! إنك تشتتين تركيزها بهذا البكاء المتواصل. اعطيها شحنة طاقة إيجابية. فهي بطلة من أبطالنا الان ‏. صلي واستغفري وأدعي لنا ولها ولكل بيت يعمل فيه أحد في القطاعات الصحية والعسكرية والإعلامية والخدمات الإلكترونية والاتصالات والتموين الطبي والغذائي، فهم ‏الان من يدفعون صبرنا إلى الأمام وهم من يقودون وطننا حاليا. ننحني تقديراً وعرفاناً وفخراً خصوصاً للكوادر الطبية التي تُسَخِّرُ نفسها من أجل مملكتنا الحبيبة.  

لهم ولكلِ المرابطون والمرابطات في المنشئات الصحية تحية اجلال وفخامة.

فهم جنودنا الان في محاربة مرض فيروس كورونا (19COVID-)،  

 ان الأطباء والتمريض والمختبرات والصيادلة وفنيين التنفس بالإضافة إلى العاملين بخدمات الأمن والحراسة وخدمات إيصال الطعام والنقل الاسعافي وموظفي المستشفيات الآخرين، في الخطوط الأمامية لرعاية المرضى الذين يعانون من COVID-19 في الوطن كله. وفي كل بيت الان يوجد موظفـ/ـة من وزارة الصحه مرابطـ/ـة في مستشفياتنا ومراكزنا ومنشئاتنا الصحية، 

يجب على كل واحده منا ان تودع كل صباح ابناً او اختاً او أخاً او زوجاً بابتسامة دعم، يجب ان ندفعهم للذهاب للعمل بحماس وبطاقه ايجابية عالية وبثقة كبيرة، ولنعمل معًا من داخل البيوت والأسر لمواجهة التحديات اليومية والتغلب على الصعوبات الأكبر بإذن الله. يحتاجون منا لكل أمل ولكل دفعة حماس. كرري على مسامع منى كل يوم وهي مستعدة للعمل.  سننتظرك، ننتظر عودتك، وبلا دمـــــوع. وفاجئيها الان برسالة داعمه جميلة خلال اليوم فيمكنك بها إحداث فرق إيجابي كبير في نفسيتها.

 

 

يتبع…






تعليق واحد في “وَدَّعوهم بلا دمـــــوع،الجزء الأول.”

  1. يقول احسان الديلمي:

    اعتصرقلبي الما. ولكن نحن بعد الله درع لحماية الاخرين سخر الله لنا هذا الاجر ويجب العمل بحب. احببت التعرف على صديقتك منى. ربما لنا لقاء يوما ما

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لمجلة الجودة الصحية | تصميم وتطوير مؤسسة الابداع الرقمي