بقلم / سلطان فهيد التمياط 

الصادره من صحيفة مكه

مجلة الجوده الصحية _ دينا المحضار 

 

لشعور العام بالاستياء جراء قرارات التقشف وخفض النفقات الحكومية، ثم ما تلاها من قرارات نالت وبشكل مباشر دخل المواطن، هذا الشعور له ما يبرره، لا شك في ذلك، إلا أنه يجب ألا يستمر طويلا. صحيح أن هذا حدث وبشكل مفاجئ ودون مقدمة إلا أنه أصبح واقعا يجب علينا جميعا أن نعيشه.

وحين نسترجع ما حدث بالأمس القريب، ندرك على الفور مقدار الهدر في المال العام والثروات في العديد من قطاعات الخدمات في الدولة، كما أن السلوك العام للمواطن نفسه في كافة الطبقات الاجتماعية اتسم في الغالب بالمبالغة في الاستهلاك دون التفكير في وسائل الادخار.

وإذا انتقلنا بالحديث عما حدث في الشأن الصحي، نجد أنفسنا أمام أكثر الخدمات الحكومية إهدارا للمال العام، في الوقت الذي لا تحظى فيه تلك الخدمات بشعبية بين أفراد المجتمع. وبالرغم من تعاقب العديد من الوزراء على تولي حقيبة الصحة في السنوات الثلاث الأخيرة، إلا أن القرارات مع كل إدارة جديدة كانت تأتي هزيلة وغير قادرة على إحداث التغيير المنشود، بل إنها لا تأتي إلا بالمزيد من هدر المال.

في ضوء ما تقدم لا يمكن أن نعتبر ما حدث في السابق سيئا، إذ بمقدار ما في الماضي من إخفاقات على الصعيد الإداري والمالي، فإن فيه كثيرا من الإنجازات الرائعة، خاصة في المشاريع الطبية العملاقة والمستشفيات الحديثة التي تم إنشاؤها، كما أن العديد من الأطباء وكبار التنفيذيين الذين غادروا الوزارة باتجاه القطاع الخاص ساهموا إلى حد كبير بخلق مناخ عام في الوزارة، ينادي بحتمية التغيير والإصلاح.

ومع انطلاق مشاريع التحول الوطني ورؤية 2030 فإن خدمات القطاع الصحي بالمملكة قد بدأت بالفعل الخطوات الأولى باتجاه التغيير الجذري، الأمر الذي قد يسمح لها بمراجعة الكثير من عقود شراء المعدات الطبية والأجهزة، وذلك بعدم اعتمادها وتوريدها قبل التأكد من عدم تكدسها أو انتهاء صلاحيتها في المخازن، كما حدث في سنوات الهدر. كما أن المرحلة الحالية تسمح أيضا بمراجعة العقود الحالية والمستقبلية لشراء الأدوية والمستلزمات الطبية وفق ضوابط صارمة في التوريد تشبه إلى حد كبير ما يحدث في القطاع الصحي الخاص. هذا يتطلب تنظيما جديدا وربما يكون أكثر تعقيدا. علينا أن ندرك جميعا أن قرارات من هذا النوع لن تجد ترحيبا لدى الموردين المعتمدين ذوي النفوذ العالي في المجتمع، ذلك هو التحدي الكبير للمرحلة الجديدة.

وحين تخطو الوزارة بهذا الاتجاه بكل حزم وإرادة، فإن ترشيدا وخفضا هائلا في الإنفاق سينتج عن ذلك دون تأثير على مستوى الخدمة الحالية، بل ربما نشهد تحسنا ملحوظا. ولكي يحدث ذلك يجب أن يطلع الأطباء الذين هم في المواجهة المباشرة مع المرضى على تلك التفاصيل، وأن يتم إشراكهم في تلك القرارات، وبالتالي لا يتم منحهم الفرصة للتنصل عن المسؤولية كما حدث في السابق حين تم تجاهلهم.

ومثلما أشرنا إلى أهمية المرحلة المقبلة والتي ستكون انتقالية نحو مشاريع التحول الوطني، فإننا نرقب من بعيد نشاطات الإدارة الجديدة في الأشهر الماضية، والتي كانت عديدة ومتواصلة، إلا أننا نعيب عليها استمرار النهج السابق بعدم التواصل الجيد والمثمر مع المجتمع، خاصة في هذا العصر الذي نعيشه، والذي تعددت فيه وسائل وقنوات التواصل الاجتماعي، ولكي تنجح الوزارة في طمأنة المجتمع بقدرتها على المسير بثقة نحو تنفيذ برامج التحول الوطني ورؤية 2030 فإنها بحاجة إلى التواصل بشكل أكثر مما تفعله الآن.

أما حين يلمس المواطن الذي فقد 20% من دخله في القرارات الأخيرة، تطورا في آلية الوزارة للتواصل مع الناس وربما إشراكهم عبر الاستبيانات في كل ما يتعلق بصحتهم، بالإضافة إلى تعرفهم على الجهود المبذولة من الحكومة والوزارة نفسها بمراجعة جميع السياسات المالية وإغلاق جميع المنافذ التي تسمح بإبرام مناقصات فاسدة، فإنه سيشعر لا شك بالاطمئنان على مستقبله، حينها تتبدد مخاوفه ويزول استياؤه.