بقلم/د.عبدالوهاب بن عبدالله الخميس 

الصادرة من صحيفة الاقتصادية

مجلة الجودة الصحية _ دينا المحضار 

 

 

تحدثت في مقال الأسبوع الماضي عن بعض المفردات التي تستخدم في الحديث عن الخصخصة، ولعلي في هذا المقال أعرج على بعض إيجابيات وسلبيات نظام الشركات corporatization. فنظام الشركات يعتبر مرحلة بين التدخل الحكومي الكامل ومرحلة استقلال المُلكية والموارد. فهناك خلاف بين المختصين على تصنيف نظام الشركات كنمط قائم بذاته أو كونه إحدى صور الخصخصة، لكن ما قد يعني المتلقي أثر نظام الشركات الإيجابي والسلبي في الرعاية الصحية.
فمن أهم إيجابيات نظام الشركات corporatization أنه يساعد على رفع كفاءة الأداء إذا تمت استقلالية القرار فيه بصورة كبيرة. فاستثمار الأسرة الحالية للمستشفيات من المفترض أن يكون بصورة أفضل وأعلى.
إحصاءات البنك الدولي لعامي 2005 و2010 تخبرنا أن معدل إشغال الأسرة لم يتجاوز 55 في المائة في مستشفياتنا الحكومية، ما يدل دلالة واضحة على سوء استثمار الموارد المالية والبشرية وضعف كفاءة أدائها. كما أن معدل دوران الأسرة في المستشفيات ما زال ضعيفا على الرغم من عديد من الجهود التي بذلت خلال الفترة الماضية، لذا فنظام الشركات يجعلنا نتفاءل أن معدل إشغال الأسرة أو دورانها أو غيرها من معايير الأداء سيتحسن بصورة أفضل من ذي قبل ما سيسهم بصورة إيجابية في تقليل معدلات الانتظار.
كما يشجع نظام الشركات الخدمات العلاجية التي تحقق ربحية سريعة ويمكن قياس أدائها بشكل مباشر كالجراحات العامة وغيرها. لذا فنظام الشركات يعطي الجراحين المميزين والمجتهدين وزنا أفضل من النظام التقليدي للميزانيات.
كما أن من إيجابيات نظام الشركات المرونة في استثمار الموارد المالية، لكن إذا لم يحسن استثمار هذه المرونة بصورة صحيحة فقد تؤدي إلى حدوث خسائر مالية عالية. من هناك يبرز دور القيادات التي ستتولى إدارة المستشفيات بعد تحويلها لنظام الشركات. فاختيار القيادة المتمكنة سيكون بمنزلة حجر الزاوية في نجاح نظام الشركات مستقبلا. هذه الكوادر والقيادات في حاجة للتدريب والإلمام بصورة كاملة بأهم التحديات التي ستواجههم في ظل نظام الشركات، ويتطلب منهم المعرفة والاطلاع على كيفية التعامل معها.
فمثلا خفض أعداد الموظفين من أهم الآثار السلبية المترتبة عند التحول لنظام الشركات corporatization، فرفع كفاءة الأداء يبدأ بالحد من التكاليف العالية. ولا شك أن الرواتب من أعلى التكاليف لدى أي منظومة صحية. نظام الشركات يدعم التوجه لإيجاد كوادر متعددة المهارات من أجل تحقيق استثمار أفضل للموارد البشرية لديها. لذا قد يكون من الصعوبة رفع كفاءة أداء المنشآت الصحية، بينما المنشآت الصحية تعاني أصلا تضخما في أعداد موظفيها. نظام الشركات قد يفرض على المنشأة الاستغناء عن بعض العاملين لديها خصوصا من يزاول الأعمال الإدارية الروتينية والفنية محدودة الأثر، بل قد يحد من أعداد من يزاول بعض خدمات التمريض كما تخبرنا الأدبيات العلمية. لذا يبقى التحدي في قدرة قيادات نظام الشركات في تحقيق استثمار أمثل للموارد البشرية دون أن تضطر للاستغناء عن بعضها. كما أن من أهم التحديات التي سيواجهها نظام الشركات أن الاستقلالية التي من المفترض أن تتمتع بها قد تتعثر نظرا لاستمرار تدخل النظام الحكومي وإن كان بصورة غير مباشرة لكون المنشأة حكومية في أصل ملكيتها. كما يعاب على نظام الشركات أنه قد يحد من تقديم بعض الخدمات للمرضى خصوصا خدمات الطوارئ ومراكز الإصابات trauma center والطب النفسي وغيرها لكونها من الخدمات غير المجدية ماليا ولا تسهم في تحقيق معادلة الكفاءة في الأداء.
لذا تأتي أهمية إيجاد التشريعات التي تحقق توازنا بين رفع كفاءة الأداء وضمان حصول الرعاية الصحية بغض النظر عن الحسابات المادية الأخرى. فالتركيز على مفهوم رفع الكفاءة يجب ألا يكون على حساب ضمان تقديم الخدمة العلاجية للمحتاجين لها. فمثلا لابد من إيجاد التشريعات اللازمة لحماية الفئات الأكثر احتياجا للرعاية الصحية ككبار السن والأطفال والنساء.
أخيرا، لاشك أن وضع السياسات الصحية والتشريعات اللازمة مهم جدا من أجل ضبط عمل الشركات corporatization لأنه سيكون بمنزلة حجر الزاوية التي ستمكن صانع القرار من معرفة الآثار الإيجابية أو السلبية التي ستؤول إليها المنشآت الصحية بعد تحولها لهذا التنظيم. فنظام الشركات في حاجة إلى التأكيد على أولوية توفير الرعاية الصحية للمحتاجين لها خصوصا كبار السن والأطفال والنساء في حال تعارضها مع تحقيق هدف رفع كفاءة الأداء. لذا يبقى التحدي الأكبر عند تشغيل المستشفيات بنظام الشركات في كيفية التوازن بين ثلاث أولويات لكل صانع قرار صحي وهي:
1. كيفية ضمان حصول الناس على الرعاية الصحية.
2. وبجودة عالية مع مراعاة قواعد السلامة للمرضى.
3. وفي إطار وتنظيم يحد من ارتفاع التكلفة العلاجية مستقبلا.
حوكمة الشركات ستكون أحد أهم العوامل الحيوية التي ستحكم عمل الشركات corporatization مستقبلا. فكيف يمكن تحقيق أعلى المنافع من نظام الشركات corporatization وتجنب الآثار السلبية لهذا النظام؟
وهل سيسهم نظام الشركات في رفع الجودة والحد من التكلفة وتسريع حصول الرعاية الصحية للمحتاجين إليها؟ وكيف نضمن حوكمة “حقيقية” للمنشآت الصحية بعيدا عن تعارض المصالح التي تعتبر من أهم الصعوبات التي قد تفشل الحوكمة في تحقيق غاياتها المرجوة منها.
ختاما، لا شك أن نظام الشركات أو الخصخصة له إيجابيات وسلبيات، من هنا تبرز أهمية التركيز على الجوانب الإيجابية التي قد يحققها نظام الشركات مع العمل على محاولة تقليل الآثار السلبية التي قد يتسبب فيها هذا النظام.