في مقال سابق (@) كتبت عن فلسفة النظام الصحي المحلي الإدارية مقارنة بالفلسفات الإدارية الصحية العالمية، وأبنت حينها بأن النظم المتقدمة انتقلت في تطورها عبر ثلاث حقب، الأولى مرحلة الفلسفة الإدارية التي تضع الطبيب محور عملية التطوير والأداء الإداري الصحي؛ الثانية مرحلة الفلسفة الإدارية التي تضع قطاع التأمين في الأولوية في مجال التطوير والإدارة الصحية؛ والثالثة هي الحقبة المتطورة الراهنة والتي تضع المريض بوصفه عميلاً ومستهلكاً في أولويات تطويرها وأدائها الإداري.. وبمقارنة النظام الصحي المحلي بتلك الحقب العالمية رأيت أنه لا يزال يراوح عند مفهوم الحقبة الأولى حقبة الخمسينات الميلادية.. الخ.. هذا الموضوع حظي ببعض التعقيبات، أطرح بعضها، بتصرف، معتذراً إن ابتعدت المسافة الزمنية قليلاً بين المقال الأصلي وهذا المقال، فلم يأتنا التعقيب الرئيسي لمقال اليوم سوى قبل أيام قليلة، وكالمعتاد لا أملك أمام متابعة وتعقيبات القراء سوى التقدير لأصحابها وفي نفس الوقت استغلالها كمادة قابلة للنشر، وكمادة تسهم في ايضاح وجهة نظري الخاصة، وأتجنب ذكر الأسماء وأركز على الآراء التي تستحق أن تناقش لذاتها ولمواقع أصحابها المهنية بعيداً عن أسماء الأشخاص.. فإن من مهامي ككاتب حماية القارئ واعطاؤه الثقة التي ينشدها عندما يطلب مني عدم الإشارة إلى ذكر الاسم أو الأسماء، وأتمنى ألا يدقق الآخرون في الأسماء والبحث في كيفية قطع الأنامل التي تكتب بدلاً من مناقشة ما كتبته، فإن كان ما كتب صحيحاً فالواجب دراسته والتمعن في معالجة ما يشير إليه من قصور، وإن كان العكس فهي فرصة ايضاً لوضع الأمور في نصابها وتوضيح الأمور على حقائقها.

أعود إلى موضوع المقال وأنشر هنا فحوى تعقيب الطبيب الدكتور الاستشاري مدير الشؤون الصحية بإحدى مناطق بلادنا الغالية حيث يشير ذلك الطبيب إلى الأمور التالية:

فكرة الفلسفة الإدارية الصحية القائمة على اعتبار المريض هو العنصر الأول في التنظيم والإدارة وتقديم الخدمات، ليست فلسفة جديدة ولكننا نتفق على أنها قمة التطور الإداري الصحي، إذا ما اعتبرنا النموذج الغربي هو قمة التطور في مجال الإدارة الصحية، وهي فلسفة تتماشى مع العصر التقني ومع الثورات الاقتصادية والتنافسية، وهذا ليس بإبداع جديد يتم طرحه من قبلك، أي من قبلي، حيث هناك مقالات علمية عديدة حول الموضوع، منها من يرى بأن عملية خدمة المريض بوصفه عميلاً أشبه بخدمة العميل في الفندق، فالفنادق تتساوى في خدمتها الأساسية ولكن خدمة العميل والعناية به هي ما يميز فندقاً عن آخر، فحتى شكل الستائر وسرعة تقديم الوجبات ووضع لوحة الإعلانات.. الخ له علاقة بجلب العميل وخدمته والحرص على تكرار زيارته لذات الفندق.. وفنون الأداء الصحي المتطور تتطلب تجاوز مجرد فحص المريض وتقديم الدواء له، إلى أمور أخرى يجب أن يعامل فيها المريض كعميل مثل المواعيد والنظافة والسجلات وصيانة الأجهزة واحترام كرامة المريض وصيانة حقوقه، وخدمته بنفس مبتسمة راضية بتقديم تلك الخدمة لا متجهمة ومتأففة من خدمة المريض.. الخ

قد تستغرب أن أحاول نقض النموذج الإداري المتحور حول الطبيب، رغم أنني طبيب ولكن أذكرك بقولك بأن القضية ليست في تخصص الإداري بقدر ما هي في فلسفة الإدارة وعليه أبين لك الحقائق التالية:

أولاً: إن الإدارة لم تكن خيار كثير من الأطباء وأنا أحدهم (مدير شؤون صحية يتحدث هنا) ولكنها فرضت علينا بطرق مباشرة وغير مباشرة، بحاجة إلى نقاش، فمن الطرق المباشرة هو ربط الترقية والحصول على مميزات السكن والحوافز الأخرى بالمنصب الإداري، فهل تتوقع أنني كنت سأرضى بالبعد عن الرياض وأعيش في منطقة صغيرة، لو لم أتعرض لمثل هذه الضغوط، فما هو الحل في نظرك هل أصر على أنني استشاري وأرغب في القيام بعملي التخصصي الميداني على حساب ترقيتي أو حرماني من بعض المميزات المادية والاجتماعية المغرية..؟

أما بالنسبة للظروف غير المباشرة فهي ضعف بيئة العمل التي نعمل بها كاستشاريين، فعندما كنت استشارياً دوام كامل بأحد مستشفيات الصحة بالرياض، لم أكن أجد الدعم الذي أحتاجه من الكوادر الإدارية والفنية المساندة، بل كنت أتعرض (للبهذلة) أحياناً كثيرة، أما الآن فأنا إداري في أكبر مستشفيات المنطقة وطلباتي تنفذ حالاً وأدخل المستشفى كمدير يقابلني مدير المستشفى وليس لديه مانع من حمل (البشت) عن كتفي.. ففي العالم المتقدم الإداري لخدمة الاستشاري ولخدمة المريض ولكن لدينا الكل موظف لخدمة الإداري أولاً ثم الاستشاري وأخيراً المريض.

ثانياً: إدارة الطبيب للمستشفى أو المركز الصحي أو الشؤون الصحية موجودة في كل دول العالم، وها آنذا طبيب لدي الرغبة في تنفيذ بعض الأفكار الإدارية المتطورة ولكن الواقع لا يسمح لي بذلك أبداً، لأنه يفترض مني كمدير شؤون صحية الإشراف على التنظيم الإداري والإشراف العام على الأفراد، ولكن المشكلة هي أنه لا يتوفر لدي الدعم اللازم لتنفيذ ما أصبو إليه، وتحديداً لدي ضعف كبير في الكوادر البشرية ليس فقط في الأعداد ولكن في طبيعة التأهيل والتدريب لتلك الكوادر، ولو كان الأمر بيدي لوضعت عدداً كبيراً من المتخصصين في إدارة الصحة والمعلومات الصحية والتسويق والسجلات والنظم والصيانة ولأعدت تدريب الكوادر ذات الأعمال الكتابية والإدارية الموجودة حالياً لإدخال مضامين حيوية مثل مضامين الجودة وتنظيم العمل وسرعة الانجاز.. الخ حيث العمل يدار في الوقت الراهن وفق طرق قديمة لا تتناسب مع المفاهيم التي تطالب بتبنيها، والكوادر الموجودة لا يتوفر لها برامج تدريب وتطوير كاف، فمدير شؤون الموظفين يحمل الشهادة الثانوية ويتعامل مع الموظفين بمحاضر الحضور والغياب ويجهل حتى أسماء التخصصات الطبية التي هو يعمل على محاسبة ومتابعة منسوبيها، ومسؤول العلاقات يقرأ الجرائد ويتابع جولاتي اليومية (جولات مدير الشؤون الصحية) في المستشفيات ولكنه لا يعرف مفهوم العلاقات بالتسويق واستقطاب الدعم للعمل الصحي، ومدير قسم المعلومات بدأنا العام الماضي نعلمه ألف باء الكمبيوتر، وسكرتير مكتبي ما أن أغيب حتى يتصور نفسه معالي مدير الشؤون الصحية فينهر هذا ويطرد ذاك.. كيف نطور وكيف نتمكن من تطبيق فلسفة معينة دون دعم ودون وجود آليات فنية وبشرية كافية ومؤهلة للقيام بذلك.

ثالثاً: بكل أسف ونحن نتحدث عن فلسفة إدارية فإن أحد عناصر وجود فلسفة إدارية هي التواصل مع العاملين في القطاع وتبيان تلك الفلسفة، ونحن علاقتنا في الشؤون الصحية بالوزارة هي علاقة ذات اتجاه واحد، علينا تلقي التعاميم والتعليمات وتنفيذ الأوامر فقط، أما الاقتراح أو إيصال أفكارنا وما يعترينا من صعوبات لمسؤولي الوزارة فهو من الصعوبات إن لم يكن المستحيلات، فحتى حين نحظى بزيارة أحد مسؤولي الوزارة ونستعد لاستقباله وأداء واجب الضيافة، لا نخرج منه بأكثر من وعود شفوية لا يتم تنفيذها، بل ونخرج أحياناً كثيرة بإهانات، نعم إهانات، توجه لنا وكأننا نعمل لدى أولئك المسؤولين لا معهم، أو كأنهم من فئة تحمل الذكاء والإخلاص بينما نحن جهلة نحتاج إلى تغيير عقولنا لنصل إلى مستواهم، والنتيجة أقولها بصراحة، بأننا أصبحنا لا نكترث بما يقوله أولئك المسؤولون ونعتبره مجرد هروب من تقبل الملاحظات وعدم قدرة على تفهم مطالبنا المتعددة.

أكتفي بما ورد أعلاه من تعقيب مدير الشؤون الصحية، وهو تعقيب ربما خرج قليلاً عن وصف الفلسفة الإدارية إلى الحديث عن الهموم والمعاناة الإدارية التي يعانيها الطبيب الإداري بوزارة الصحة، ولكن يظل فهم تلك العقبات مؤشراً على توجهات ومسببات فقدان الهوية الفلسفية للنظام الإداري الصحي.

التعقيب الثاني أيضاً أتى من طبيب (مخضرم) حسب وصفه في وزارة الصحة حيث عاصر عدة قيادات صحية، ويرى بأن له وجهة نظر تجاوزتها في مقالي السابق تتعلق بالمقطع الذي أشرت فيه إلى التجربة الفريدة القصيرة التي حاولت تجاوز النموذج الطبي إلى نموذج المريض العميل، وملاحظاته نطرحها بشكل مختصر في الأسطر التالية:

لقد ذكرت بأنه كانت هناك محاولة قصيرة للخروج من عباءة نموذج الطبيب الإداري، ولكن للأسف نحن لا نراها كذلك، بل نعتبرها كانت محاولة فاشلة لتقزيم أدوار الطبيب بوصفه القائد في المجال الصحي، بحيث أصبح الطبيب يتعرض للإهانة من المريض فيبارك المسؤول تلك الإهانة، وتم تقريب تخصصات لا علاقة لها بالطب وتحميلها المسؤوليات القيادية والإدارية في وزارة الصحة، في تلك الحقبة، والنتيجة هي أننا نحن الأطباء حرمنا من بعض المميزات التي كنا نتميز بها في وزارة الصحة، مثل مميزات بدل السكن الذي تم إلغاؤه عبر تلك التجربة القصيرة التي تعمدت تهميش الطبيب بأشكال مختلفة، وها نحن اليوم نشهد هروب أطباء وزارة الصحة بسبب تقليص مميزاتهم وأبرزها المادية، والمشكلة أن ذلك لم يحدث في القطاعات الصحية الحكومية الأخرى.. فإذا كان النموذج الذي تطالب به (يقصد نموذج المريض بوصفه عميلاً) يعني مضايقة الطبيب فنحن نرفضه ونرفض أن نكون درجة ثانية في القطاع الصحي.. انتهى تعقيب الطبيب.

ملاحظاتي باختصار حول ما طرح أعلاه: عند وصفي للنظام الإداري الصحي ذكرت النموذج المتمحور حول الطبيب أو المعالج أو المريض، ولم أذكر إدارة الطبيب أو ان ذلك نموذج الإدارة الذي يتبعه الأطباء، فحتى غير الأطباء من الإداريين قد يتبنون ذلك النموذج حين لا يرون سوى الطبيب أمامهم ويجهلون معنى كسب رضا العملاء.. التطرف مرفوض في جميع الأحوال فالطبيب في خدمة المريض وبدون الطبيب تستحيل خدمة المريض طبياً، ولكي نحصل على رضاء العميل وتحقيق حاجاته فبالتأكيد نحن بحاجة إلى تطوير نظام وكوادر قادرة على تحقيق ذلك.. ومن بدهيات ذلك التطوير البحث في توفير الرضا الوظيفي للأطباء وغير الأطباء العاملين في المجالات الصحية.

فيما سبق إشارة إلى مواقع خلل تعيق التطوير الإداري، أطرحها وأملي في أن يبحثها المعنيون بشكل جاد وإيجابي وبالذات فيما يشير إلى ضرورة تبادل الرأي والتواصل الايجابي بين قمة الهرم وقاعدته في منظومة التنظيم الإداري الصحي بوزارة الصحة، وبحث مسببات ضعف آليات التواصل بين المستويات الإدارية المختلفة، فنحن لدينا كفاءات وأفكار متميزة بحاجة إلى من يسمعها ويتبنى ما تطرحه من إيجابيات، يخشى ألا نستفيد منها بسبب وطأة اليأس والإحباط وانعدام سبل التواصل والتخطيط والتطوير.

هذه التعقيبات، وهي وإن كانت تعبر عن أصحابها، إلا أنها تفي بغرض رئيسي أبحثه هنا ألا وهو تسليط الضوء على بعض وجهات النظر التي نطالب بدراستها والتفكر في محتواها ومسببات لجوء أصحابها إلى شخصي المتواضع لطلب التسليط عليها إعلامياً.

حكمة

“المعرفة غير كافية، ولكن لابد من التطبيق.. والمشيئة غير كافية من دون العمل”