تابع للجزء الأول …

رأيت أحمد الصيدلاني البشوش يقف على شباك الصيدلية، مشغولاً يصرف العلاج متحمساً يشرح طريقة اخذ الدواء بكل دقة.. تعجبت لحماسه في مكان كهذا، مكانٌ يخيم عليه الحزن والخوف والتوجس، ‏

قابلت وداد (الأخصائية الاجتماعية) وحكت لي عن استمتاعها بالعمل هنا..  وفجأة…!

دخلت احدى الممرضات بسرعة قائلة: نحتاجك من اجل تقييم حالة نزيلة..

وتأهبت انا بدوري!  ومضت وداد معها مباشرة! استوقفتها واستأذنها ان آتي معها!؟  

قالت! ‏حسناً.. ايمان لا تطلبي مني اي سياسات وإجراءات!!

اشرت لها بقفل فمي..  حاضر سآتي معك فقط للمشاهدة!؟ 

ضحكت وقالت: أشك في أنك تستطيعين العيش يوماً بلا جودة…؟

قلت في نفسي.. انا ايضاً أشك…!

 أثار فضولي دافع وداد الأساسي هنا…! فقد غادرت باستعدادٍ كاملٍ من حالة هدوئها الى حالة التأهب والمباشرة..

 ترى ماهي حالتها الداخلية التي ولدت كل تلك الطاقة والحركة.؟

ما الذي وجه سلوكها نحو الهدف بهذه الطريقة…؟؟ الدافع المعرفي…؟

بالتأكيد هو ما دفعها بلا تفكير لمتابعة الحالة.. لان الرغبة في الفهم وإتقان المعلومات وصياغة المشكلات وحلها التي تؤدى إلى شعور الفرد بالمكافأة الذاتية عند الوصول إلى الحل. وزيادة الدافع المعرفي تؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة النشاط المؤدى إلى تحقيق الهدف..

 انشغلت وداد في حالتها الجديدة.. وسرحت في سلوكيات الأبطال هناك.. فلم أجد ترجمة لسلوكياتهم الا بأنها مجموعة من النواتج الطبيعية للرضى والاستقرار الوظيفي. ولكن ماهي دوافعهم…؟

 تُصقل الدوافع بالتجارب…  وهنا تأتي مسببات تفعيل هذه الدوافع وتختلف من شخص لآخر، وبالحديث عن الدوافع لا أجد مفراً من سرد بعض انواع هذه الدوافع.. فمثلا يوجد دافع الإنجاز ويتمثل هذا الدافع في الرغبة الشديدة في النجاح، كما تلبي رغبة تحقيق هذا النجاح أيضاً.. الاهتمام بالجودة والامتياز في الأداء. وكل ما رأيته هنا الى الان من سلوكيات! ماهي الا من مؤشرات دافع الإنجاز..

 دخلت ‏مكتباً منفصلاً وشهدت الاخصائية منار مغمورة بين الصناديق.. تجهز وتفتح وترتب المسحات المخصصة لأخذ عينات كورونا.. سألتها عن اجراءات عملها الحالية.؟

 فقالت: انني استعد بإعداد قائمة أسماء النزيلات المغادرات قريباً لفحصهم قبل مغادرة المجمع لترحيلهم.. سآخذ منهن مسحات لفحصها..

سألتها: أين هم هؤلاء النزيلات…؟

– في العنابر!!

 قلت مستنكرة: الا تخافين..؟؟ ألا تخافين من العدوى وانتِ مقدمة على الاختلاط بالنزيلات في عنابرهم…؟ ألا تخافين من هجوم مفاجئ مثلاً…؟

ضحكت ضحكة قصيرة..  وقالت: سأتخذ جميع الإجراءات الوقائية وستحميني نيتي بعد المولى بإذن الله…!

واخذت تفحص محتويات حقائبها الميدانية لتتأكد من سلامتها،

لم أكد أسألها سؤالاً معترضاً أخيراً حتى ربتت على كتفي قائلة: كلما نويت المساهمة في حماية وطني، كلما زادت مناعتي واستمديت منه القوة والصمود..

كلماتها كانت عميقة.. اصابتني بقشعريرة …!

صوت المنبه..

 استيقظت.. كان حلماً..

مضى يومي الثاني سريعاً..

هاهي ساعة انتهاء الدوام تلوح في الأفق..

نداء عبر اللاسلكي، عمليات! عمليات! الجميع يركض والاسعاف يقف امام بوابة الطوارئ ورأيت طبيبةً تقفز للدخول في الاسعاف ووراءها الممرضة ميار بابتسامتها المشرقة العريضة التي تلامس قلبي …! رغم أنها الممرضة الأصغر بينهم…!

سألتها.. هل انتِ قادرة بالفعل على المشاركة…؟  وهل تعرفين ما هي الحالة؟؟

قالت بحماس: نعم…؟ سأعلم عندما أصل!

سألت نفسي: ما هذا الدافع الان…؟؟ انه دافع الاستطلاع.. لا غيره!

 وهو دافع ومحرك للفرد لمعرفة الأشياء الجديدة والتي فيها نوع من الغرابة وذلك من أجل استكشاف خصائصها.

استدرت للدخول للمجمع عبر بوابته الزجاجية لأجد مدير المجمع عادل يقف بعيداً يراقب كعادته اخر الاحداث..

اقتربت بهدوء…!

 سألني.. كيف كان يومك الثاني هنا…؟

كنت سأغرقه بوابل من الاعتراضات والتساؤلات التي تجتاح عقلي! وشيء ما استوقفني…!

قلت: من أنتم هنا؟؟ ما لذي يحرك كل تلك الطاقات والسلوكيات…؟ ما لدافع وراء كل تلك الجدية والالتزام والإنسانية التي لامستها هنا…؟

 قال ببساطة وعفوية: مخافة الله…!!  وعاد لمكتبه، ليتركني أتأمل عبارته..

بالفعل…! ان الإيمان في حد ذاته هو الدافع الأقوى للسلوك البشري… ان كان ذلك هو الدافع والمحرك لقائد المجمع…! كيف سيكون موظفوه…؟  

وقد أظهرت الدراسات أن الإيمان له دور ملموس في صياغة وتكوين حاجات الإنسان. من حاجات فسيولوجية، او حاجات أمنية، او حاجات اجتماعية، أو حاجات احترام الذات وتحقيقها.

     

تجهزت للمغادرة.. ووقفت في طريقي لإلقاء التحية على عمر مدير المختبر..

سألته: لماذا لا تغادر العزلة هذه…؟ انشغل على جهازه لبرهة.. ومرت دقيقة صمت..

ثم تنهد قائلاً: لم تكن وظائفنا هنا يوماً للاستفادة من منصب او ترقية او بدل…! او لاستلام الراتب فقط وإن تعرضنا للإهمال في احدى المراحل..  

إن لم نعمل ليلاً ونهاراً بعزم..

 ان لم يكن همنا الوحيد هو مصلحة المجمع والنزيل…!!

 لن يكون لبقائنا هنا او في أي مكان آخر أي معنى…!

نحن هنا نصوِّر هوية بلدنا وشكل سعوديتنا العظمى وسيتم دعمنا على تلك الأسس..

     

 تركته ومضيت في طريقي وقد أزهر حلم الوطنية في جوفي.. هذه الدولة لن تعيش عظيمة الا بأمثال هؤلاء الأبطال.. حدودها المحبة والسلام والعطاء.. كريمة معطاءة.. تأخذها قلوبهم للقمة.. وبإحسانهم للسماء..

هل لقلمي ان يتوقف الان…؟  لا أظنه سيفعل!

قابلت هناك في ذلك المجمع الطبي فريقاً مميزاً، يمتلكون من مقومات النجاح اندرها ومن القيم أعلاها كالالتزام، والحس بالمسئولية، والأمانة، والاحترام..  كانوا فريقاً متعدد التخصصات ويضم عدداً من الأفراد المؤهلين الذين يعملون باستقلالية وتفرد تامين فلا توجد خدمة علاجية لهؤلاء النزلاء الا لديهم ورغم ذلك.. لم اسمع عبارة.. لا نستطيع العمل لعدم توفر الإمكانيات!!  او لم نتمكن من العمل لعدم وجود التجهيزات…!! فالكل يعمل بهدوء وبجديه ويقدم أفضل ما لديه حسب ما هو متاح.. صدقاً بإخلاصهم ذاك وتكاتفهم سيمثلون مرجعيةً مثالية لمن يأتي من بعدهم..

هنيئاً لهم تلك الأراوح الجريئة المغامرة وهنيئاً لهم بشرف خدمة الوطن..

 إنها فقط الأخلاقيات العالية التي وجدت..  الوطنية الراسخة التي تأصلت..

 القيم والمبادئ المحفورة في القلوب التي واجهت..  أنها فقط الفطرة السليمة التي حركت كل أولئك من أبطال الصحة..

انها فقط الخلفية العلمية المعتمدة التي يملكونها باعتزاز وتؤهلهم للقيام بمهامهم بفخر وثقة..

القيام بواجبهم كان همهم الأكبر..  بلا ورق مكتوب وبلا سياسات معتمدة وبلا بناء للوائح مطولة أو تنظيمات معقدة..

كان دافعهم الأساسي ‏هو حماية الوطن بلا نقاش.. وحفظ الروح البشرية..