بقلم: صفوق الشمري

الصادرة من صحيفة الوطن

مجلة الجودة الصحية – دينا المحضار

 

أردنا أن نستكمل سلسلة (فزة السفارات)، لكن الإخوة والزملاء الأعزاء من الأطباء والمهتمين بالمجال الصحي تفاعلوا مع المقال السابق عن الصحة، وكان لدى البعض بعض التحفظات والبعض تساؤلات، فقلنا نعيد طرح الموضوع في هذا المقال ونستكمل سلسلة (فزة السفارات) لاحقًا.

الحديث عن الصحة يجب أن يكون إستراتيجيًا، وتلمس الصورة العامة قبل الدخول في التفاصيل التقنية وألا يكون انفعاليًا ولا عاطفيًا، والمتفق عليه أن الهدف الأعلى والأسمى والغاية هي تأمين ورفع مستوى وجودة الصحة في الوطن لكل من يقطن على هذه الأرض الطيبة، بغض النظر من يقود الصحة سواء طبيب أو إداري وبغض النظر عن السيستم (النظام) شركات أو عام أو تأمين إلخ.. المهم هو الغاية أما الوسيلة للوصول للغاية فهي مدارس متعددة لها إيجابياتها وسلبياتها !

عندما ذكرت أنه تاريخيًا حسب وجهة نظري أن الوزراء غير الأطباء للصحة كان أداؤهم أفضل من الوزراء الأطباء وما زلت مصرًا على رأيي، فهذا ليس تقليلا من الأطباء، فيجب أن يتذكر الطبيب أنه قبل كل شيء طبيب والكرسي شيء إضافي وليس أساسيًا، ولا يعني أن كل الأطباء ليسوا إداريين جيدين، بل هناك بعض الأمثلة الممتازة لمن كان طبيبًا وأيضًا يمتلك موهبة الإدارة، وقد ذكرت سابقًا، د. فهد العبدالجبار كمثال.

لكن أعيد وأكرر لإدارة الصحة، أفضل كثيرًا إداريًا محترفًا غير طبيب، على طبيب متمكن، ولكن ضعيف في الإدارة، فقابلية النجاح للأول أعلى من الثاني الذي قد تغريه أو تخدعه من حيث لا يدري خلفيته الطبية !

ولا أعرف حقيقية زعل أو (شرهة) البعض من الأصدقاء والزملاء على كلمة أن الطبيب ليس دائمًا إداريًا صحيًا متمكنًا، ترى الطبيب متخرجًا في كلية الطب وليس الإدارة، فليس في الموضوع تقليل أو نقص!! إذا كان الطبيب جمع الحسنيين (الطب والإدارة) فكان بها، أما الطبيب لازم يعرف كل شيء ومن ليس طبيبا لا يفهم بالإدارة الصحية فهذا غير منطقي، ويكفي الطبيب السعودي فخرًا أنه من أحسن الأطباء تميزًا في مهنته.

ثانيًا، نحن نرى ألا يبقى الطبيب في منصبه الإداري أكثر من 4 سنوات ويمدد له سنتان استثنائيًا، غير كذا إذا كان مبدعًا في الإدارة ويأتي بما لم يأت به الأوائل، فإنه يرقى لمنصب جديد أو تدور الدماء لكن لا يبقى في الكرسي نفسه أكثر من ذلك، تستغرب جدا أن تجد البعض في الكرسي لعقود، تراه كرسي ما هو أحفورة ! حتى طبيًا في الجسم إذا ما تحركت الدماء في العضو يفسد ويتسمم، وتجديد الدماء وترك الفرصة للآخرين وللأجيال الأخرى شيء مهم !

بل أستغرب جدًا ألا أجد من متطلبات المنصب أن يكون إعداد قادة آخرين ليحلوا محله، لو علم كل صاحب منصب صحي أنه مطلوب منه خلال فترة عمله إعداد جيل أو زملاء ليحلوا محله بعد فترة منصبه 4-6 سنوات لحلت كثير من المشاكل الإدارية الصحية، ولحاول بكل طريقة استقطاب المميزين لأنه يحاول استقطاب الأفضل للمحافظة على ما بناه خلال فترته، بدل محاولة البعض تطفيش المميزين حتى لا ينافسوه على التجديد للكرسي !

ثالثًا، البعض عنده (نقطة جدال) أجدها غريبة بعض الشيء، يقول صعب إعادة هيكلة الصحة جذريًا كما طالبت في مقالك السابق.

الرد ببساطة، البلد كلها على كبرها وتاريخها تم إعادة هيكلة لها، هي الكبرى في تاريخ الدولة السعودية خلال سنوات، من خلال الرؤية المباركة لولي العهد، فالصحة مهما كانت ليست استثناء!، يجب أن تتحرك مع الركب وتلحق ببقية الوزارات والقطاعات الأخرى في الحكومة، نعرف أن كل قطاع له أموره وخصوصياته، والصحة بلا شك مختلفة عن كثير من بقية القطاعات، لكن هذا ليس عذرًا فالهيكلة مطلب أساسي لكي تنهض الصحة وتصبح على مستوى تطلعات الرؤية.

ونؤكد على ما قلناه سابقًا أن إعادة الهيكلة يجب أن تكون (عميقة وشاملة) وليست فقط رتوشًا أو تجميلية، إذا اعتبرنا أن الصحة كأنها هرم فيجب قلب كل حجر من أعلى الهرم إلى أسفله وتغيير الحجر أو تركه بناء على استراتيجية تعتمد سعة الأفق والكفاءة والإنجاز، وأعيد (الإنجاز)، لا يستقيم أن نفس بعض الوجوه التي أدارت الصحة لعقود ووصلت بها لهذا الحال أن يعاد تدويرها وبمسميات ومناصب جديدة !

مهما غيرنا الاسم والتركيبة، شركة صحة أو تجمع أو تأمين صحي عام أو خليط بين الاثنين فإن الأهم تغيير العقليات وجلب الكفاءات الجديدة وتغيير الدماء حسب الكفاءة.

أعطوا الجيل الجديد الكفؤ الذي لم يأخذ فرصته فرصة ليثبت نفسه وسنرى تغييرًا هائلًا بالصحة، والجيل الأقدم إما يرجع لعيادته أو مرضاه مع الشكر والتقدير، أو يحاسب إذا كان قصر أثناء فترة إدارته.

لسنا منحازين لأحد سواء أطباء أو إداريين وتنفيذيين، ولو كان لنا انحياز لكان الأولى أن ننحاز لأبناء مهنتنا الأطباء، لكن الهدف أسمى يجب أن يكون صحة البشر مهما تعددت الأفكار والإستراتيجيات والطرق والوسائل.