بقلم/د. صالح بن سعد الأنصاري

الصادرة من صحيفة تواصل

مجلة الجودة الصحية – دينا المحضار 

على مر الأزمنة، تصارعت القوى على امتلاك المعرفة، فالمعرفة سلاح يستخدمه أصحاب المصالح، بينما يحتاج الأفراد والمجتمعات إلى توظيف المعرفة في تحقيق مصالحها. وقد قام الباحث المختص في تاريخ العلوم في جامعة ستانفورد الدكتور روبرت بروكتور بصياغة ما يُعرف بعلم الجهل (Agnotology) والاسم مشتق من كلمة (Agnosis) اليونانية والتي تعني (عدم المعرفة) وقد صاغ بروكتور هذا العلم عام1995م في كتابهحروب السرطان: كيف تشكل السياسة ما نعرفه وما لا نعرفه عن السرطان. وقد درس الدكتور بروكتور كيف تتم صناعة ونشر الجهل بطرق علمية رصينة، واستشهد بتوجيه دعايات شركات التبغ لتجهيل الناس بمخاطر التدخين، وشرح كيف أن الجهل ليس مجرد انعدام المعرفة، بل الجهل (مُنتَج) يصنع ويوزع لتضليل الرأي العام لأهداف معيّنة.

بعد هبوط مبيعاتها بنسبة 25%، قامت شركة كوكاكولا العالمية بدفع ما يقارب 5 ملايين دولار لباحثين أكاديميين لتغيير فهم المجتمع لأسباب السمنة، وذلك بتقليل دور المشروبات الغازية في انتشار السمنة، وتوجيه اللوم إلى عدم ممارسة التمارين الرياضية! وبالتالي تشكيل موقف يتناسب مع أجندة الشركة.

ويستند “علم الجهل” على أدوات ثلاث: بث الخوف، وإثارة الشكوك، وصناعة الحيرة. فبث الخوف يداعب غريزة حب البقاء، ليُشعر المتلقي بأهمية اتباع سلوك معين أو شراء خدمة أو اقتناء منتج من أجل أن ينجو من الضعف والفقر والمرض والموت…. والأداة الثانية هي إثارة الشكوك، وذلك بتكرار نشر نتائج الأبحاث والتوصيات المتناقضة المدعومة من مختلف الجهات مما يؤدي إلى اهتزاز مسلمات المتلقي وتشكيكه في تلك المسلمات. أما الأداة الثالثة وهي صناعة الحيرة فتدخل الفرد في دوّامة بسبب كثرة المعلومات المتضاربة وزيادة العبء العقلي والنفسي حتى يبدو تائها حائرا، ويصعّب عليه اتخاذ قرار صائب فيلجأ إلى قبول ما لا ينبغي القبول به.

وقد ساعدت شبكة الإنترنت في انتشار الجهل المتعمد. فهي المكان الذي يجد فيه كل شخص فرصته ليصبح خبير نفسه ومفتيا للآخرين، كما زادت الانترنت من “الضجيج” الذي جعل من الصعب الاستماع إلى صوت الحقيقة، مما دعا مؤسس علم الجهل إلى القول بنبرة تشاؤمية: “من باب المعجزة أن تسمع الحقيقة في وسط كل هذا الضجيج” وهذا الضجيج ضروري في علم الجهل لاكتمال حلقات الجهل. وقد عبر عن ذلك د. جوهانز كيبلر بقوله: “المعرفة هي الأم التي ينبغي أن تموت من أجل أن يولد العلم” ولا يوجد طريقة لموت تلك الأم وظهور هذا “النوع من العلم” أفضل من ارتفاع هذا الضجيج.

 

ويشمل “التجهيل” في مجالات الصحة العامة “الحذف” وذلك بإخفاء أو تجاهل ما يثبت من معلومات وتقارير وأبحاث تنافي الأفكار أو السلوكيات أو المنتجات التي تخدم “مصالح الكبار”. فتخيلوا معي شركة تدعم عشرة أبحاث علمية، تخرج ثمانية منها بخلاصة تفيد بعدم جدوى منتج معين ويخرج بحثان فقط بنتيجة تخدم مصالحها أو تشكك في حقائق سبق إثباتها، فتعمد الشركة إلى إخفاء الأبحاث الثمانية ونشر بحثين “مبنيين على البراهين” لأسباب لا تخفى. وذلك عدا عن التصريحات مدفوعة الثمن التي تتنافى مع الثوابت والمسلمات، وتتجاهل ما ثبت من نصوص الدين وتجارب السابقين والمعتقدات المتماشية مع الفطرة. فكم خسرت الصحة العامة والمؤسسات المهتمة بالسمنة (مثلا) من تجاهل قول النبي صلى الله عليه وسلم “ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه” وعلى هذا قس.

ولا يمكن للمعرفة الصحية التي شوهتها ممارسات التجهيل أن تفصل عن حضارة وبيئة الدول المتقدمة صناعيا التي نشأت فيها تلك المعرفة ومن ثم صُدرت إلى المجتمعات المستهلكة للمنتجات والعلوم وهي مصبوغة بكل مؤثرات الحضارة الغربية. ونتج عن هذا الاستيراد أن يصلنا “الوعي الصحي” تحت مظلة “الطب المبني على البراهين” الذي أنتجته “مراكز الأبحاث” ودعمته “الشركات الراعية” ووجهته في الكثير من الأحيان ليخدم أجنداتها، وجاءتنا تلك المعرفة بغلاف لا يخلو من شوائب “علم الجهل” الثلاثة (الخوف والشك والحيرة)

ومن أمثلة ما ينتقد على بعض المنظمات والمؤسسات العلمية في هذا الإطار، التناول الذي تتبناه حول الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض شرايين القلب والسمنة…. ذلك التناول الذي يصفها كمشكلات مستعصية ويتواصل تدهورها بمرور الوقت وأن المكون الجيني والوراثي فيها لا يمكن عكسه أو إيقافه، وأنها تتطلب استمرار الاعتماد على الأدوية مدى الحياة. ولا تعطي تلك المنظمات تحسين النمط المعيشي والتغذية الصحية والنشاط البدني دوره المثبت علميا وعمليا والذي يحق لكل مريض معرفته. كما تتجاهل تلك المؤسسات المذاهب التي تنجح في توظيف التغذية الصحية والنشاط البدني والتعامل النفسي والسلوكي للتحكم في تلك الأمراض وتثبت جدواها يوما بعد يوم. ولا يخفى على المتبصر أثر ما تضعه تلك المؤسسات من “أدلة إرشادية” و”بروتوكولات علاجية” يستهلكها العالم. ولا يخفى تأثير ما تشكله تلك المؤسسات على ممارسات الأطباء الممعنة في التوجه للأدوية التي ظهرت بشكل ملموس في السنوات الأخيرة مقارنة بما تعلمناه في كلية الطب قبل أربعين سنة.

ويواجه المهتمون بتعزيز الصحة مشكلة كبيرة من تأثر المجتمع العربي المستهلك بممارسات التجهيل وتأثره بأدواته الثلاثة، ويشمل ذلك اهتزاز الكثير من المسلمات التي ما كان ينبغي التفريط فيها. وأمام كل هذه القوى يتطلّب الوعي السليم جهودا ذاتية واستقلالا بصيرا في البحث عن الحقيقة، وبعيدا عن العاطفة والأمنيات. وسيكون من قصر النظر وفرط السذاجة لو اعتقدنا أن «علم الجهل» و “إدارة الفهم” و “العلاقات العامة” محصورة على الغرب، بل هي أقرب إلينا وتعيش بين ظهرانينا، وتؤثر على قرارات وممارسات التوعية الصحية في مجتمعاتنا.

ويتحدث المهتمون بالتوعية الصحية عن ثلاث قواعد بسيطة تساعد المهتمين في التحقق مما ينشر حول الصحة والمرض. القاعدة الأولى؛ أن تتساءل عن مصدر هذه الأخبار والتقارير والمقاطع. والقاعدة الثانية؛ أن تتساءل عن سمعة المصدر التي جاءت منه. أما الثالثة والأكثر أهمية؛ فهي التساؤل عمن يجني الفائدة مما سينبني على نشر تلك المعلومات.

وكثيرا ما أدعو المهتمين بتعزيز الصحة والتوعية الصحية إلى التنبه لهذه التوجهات في أدائهم وهم مسلحون بمرجحات ثلاثة تساعد في تبين الحقيقة وسط كل ذلك الضجيج. المرجح الأول هو ما ورد في الكتاب والسنة وهديها ونظرتها للإنسان والحياة والنمط المعيشي وهدي حياة المسلم في اليوم والليلة، وإلى هديها في تناول الصحة والمرض وأسوق  مثلا في الترجيح بين “تناول الوجبات الخفيفة” من وجهة نظر، وبين الصيام وعدم الأكل بين الوجبات وعدم إدخال الطعام على الطعام في وجهة نظر أخرى. وقد كُتبت الكثير من المقالات والكتب واجتمع المؤتمرون في مؤتمرات مخصصة للهدي الإسلامي في الصحة والمرض ودوره في الترجيح بين الأفكار مهما تعالى “الضجيج” حوله أو ضده.

المرجح الثاني هو تأمل حياة البشر على مرور العصور وحياة البشر عندما عاشوا بين الصيد وجمع الثمار واعتادوا الصيام المتقطع، ومن ذلك ما يعرف مؤخرا بالمناطق الخضراء الباقية على النمط المعيشي القديم التي يعمر فيها الناس بصحة جيدة ولم يضرهم الجوع لفترات محدودة. ولقد كان استمرار الحياة البشرية كل تلك العصور حقيقة ينبغي تأملها، عصور لم يرتفع فيها هذا الضجيج ولم يلتزم فيها البشر بما تفرضه الامبراطوريات الصناعية التي تعمل جاهدة على اختراق العلم والعلماء والتعليم والإعلام. كما يضاف في هذا المرجح ألا يُحرم الإنسان على نفسه طعاما تناوله أسلافنا، أو اعتمدوا عليه كليا في بعض المجتمعات.

أما المرجح الثالث فهو الرجوع إلى الفطرة الأساسية للنفس البشرية كما فطر الله الناس عليها، ومثال ذلك استحالة الاستقرار النفسي والروحي من غير التدين وبدون العبادة، ومثال ذلك أيضا تعارض التوتر والقلق مع الفطرة السليمة، وتقيد جسد الإنسان بالساعة البيولوجية التي تستقيم بها هرموناته وينضبط بها “نظام التشغيل” الذي يعمل به.

كما أدعو المتخصصين في مختلف التخصصات الصحية إلى التبصر فيما يحيطهم من مؤثرات واختراق قد يخدم مصالح الكبار، وأدعوهم أيضا إلى مراجعة أسس الأخلاقيات الطبية ومراعاة تضارب المصالح في ممارساتهم اليومية، وتغليب مصلحة المريض والمصلحة العامة، بعيدا عن صناعة الجهل وممارسات التجهيل.

 

د. صالح بن سعد الأنصاري

مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة 

المشرف على مركز تعزيز الصحة بالرياض